مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام النحوي (ت 761هـ)

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام النحوي (ت 761هـ)

جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري القاهري النحوي الشافعي ثم الحنبلي.

ولد في ذي القعدة سنة (708هـ)، ولازم علماء عصره كابن المرحل وأبي حيان الأندلسي، وجار بمكة المكرمة مرتين، وفاق أقران زمانه، وبلغت شهرته الآفاق، وانفرد – كما يقول ابن حجر في (الدرر الكامنة)- «بالفوائد الغربية، والمباحث الدقيقة، والاستدراكات العجيبة، والتحقيق البالغ، والاطلاع المفرط، والاقتدار على التصرف في الكلام، والملكة التي كان يتمكن بها من التعبير عن مقصوده». وتوفي رحمة الله عليه في ليلة الجمعة خامس ذي القعدة سنة (761هـ).

ومن شعر العلماء المنسوب إليه:

ومَن يصطبرْ للعلم يظفر بنيلِه * ومَن يخطب الحسناء يصبر على البذلِ

ومَن لم يذلّ النفسَ في طلب العُلا * يسيرا يَعِشْ دهرا طويلا أخا ذُلِّ

ومن مؤلفاته: (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك)، و(تحصيل الأنس لزائر القدس)، و(شذور الذهب في معرفة كلام العرب)، و(قطر الندى وبل الصدى)، و(موقد الأذهان وموقظ الوسنان).

تعددت مراحل رحلة كتاب (مغني اللبيب) حتى وصل إلى صورته الأخيرة ، فكانت المرحلة الأولى بإنشاء ابن هشام لبذرة هذا العمل بمكة المكرمة سنة تسع وأربعين وسبعمائة (749هـ)، ولكنه ضاع منه مع غيره من مؤلفاته حال منصرفه إلى مصر.

وارتبطت المرحلة الثانية من هذا العمل بمدينة مكة المكرمة كذلك عند معاودته إليه عام (756ه) فقد شمر  ابن هشام عن ساعد الجد ثانيا؛ ليستأنف العمل مرة أخرى، في تلك المرحلة اكتمل العمل، وتم تداوله بين طلبة العلم، وفي هذا يقول ابن هشام في مقدمته: «ولما منّ الله تعالى علي في عام ستة وخمسين بمعاودة حرم الله، والمجاورة في خير بلاد الله شمّرت عن ساعد الاجتهاد ثانيا، واستأنفت العمل لا كَسِلا ولا متوانيا، ووضعت هذا التصنيف على أحسن إحكام وترصيف».

وتأتي المرحلة الثالثة التي كانت بالقاهرة، وقد تضمّنت زوائد ألحقها ابن هشام بكتابه، وقد وقف د.محمود الطناحي على تاريخ هذه الإضافات من خلال قيد فراغ المؤلف بنسخة مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود رقم (7724)، حيث ورد فيها التصريح بتاريخ إضافة تلك الزوائد، وهو سنة (759هـ).

ويمكن أن نتعرف على قيمة ومكانة هذا السفر النحوي الفريد في نسقه، النفيس في مادته، الغني في مضمونه من خلال آراء العلماء والباحثين حوله، ومنها:

يقول المؤلف ابن هشام النحوي عن كتابه بمقدمته: “فدونك كتابا تشدّ الرحال فيما دونه، وتقف عنده فحول الرجال ولا يعدونه، إِذ كان الوضع في هذا الغرض لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله”.

أما ابن خلدون فيوافينا بقيمة كتاب (مغني اللبيب) في عصره، ووصول الكتاب إلى بلاد المغرب، حيث يقول بمقدمته الشهيرة : «وصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين ابن هشام من علمائها، استوفى فيه أحكام الإعراب مُجملة ومفصّلة. وتكلّم على الحروف والمفردات والجمل، وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها وسمّاه بـ (المغني في الإعراب). وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظمت سائرها، فوقفنا منه على علم جمّ يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة، ووفور بضاعته منها».

يقول د. فخر الدين قباوة في مقدمة تحقيقه لكتاب (مغني اللبيب): «لقد أثار ابن هشام بكتابه هذا ضجة في صفوف النحاة إذ وضع نفسه في أواخر حياته العلمية حَكَمًا يفصِل بين العلماء فيما ألقوا من أحكام في الإعراب والتفسير واللغة والتحليل النحوي ومعاني الأدوات، فانهالتْ عليه أصوات النُّحاة من كل صوب بالحوار والحِجاج”.

أما د.عبد اللطيف الخطيب في مقدمة تحقيقه للمغني فيذكر وجها آخر لسبب انشغال العلماء به حيث يقول: «هو مِن أعظم كتب ابن هشام قدرا، وأرفعها مقاما، انتشر ذكره بين الناس، وأكبّ العلماء عليه، ولما أحسّوا بصعوبة أسلوبه، ودقة مسائله، وضعوا الحواشي عليه والشروح كي يستعين بها الطلبة».

وهذا الإكباب من العلماء على كتاب (مغني اللبيب) أنتج لنا ثراء في علاقات النصوص حول هذا العمل، فمن الأعمال النقدية عليه حاشية الدماميني (تحفة الغريب في الكلام على مغني اللبيب)، ومن الأعمال التي تولّت الدفاع عن اختيارات ابن هشام كتاب (المنصف من الكلام على مغني ابن هشام) لتقي الدين الشمني، ومن المختصرات كتاب (كافي الأريب عن مغني اللبيب)، ومن المنظومات العلمية (السبك العجيب في نظم مغني اللبيب) لسلطان المغرب عبد الحفيظ بن الحسن العلوي، ونحوها من أشكال التأليف المتنوعة التي دارات في فلك مغني اللبيب.